الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
55
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وعلى كل حال ، فإن كبير القوم إذا لام من تحت إمرته على ارتكابهم ذنبا ما ، فإنهم يسعون إلى نفي ذلك الذنب عنهم ، ويلقونه على عاتق غيرهم ، وكذلك عباد العجل من بني إسرائيل ، فإنهم كانوا قد انحرفوا بإرادتهم ورغبتهم عن التوحيد إلى الشرك ، إلا أنهم أرادوا أن يلقوا كل التبعة على السامري . على كل ، فإن السامري ألقى كل أدوات زينة الفراعنة وحليهم التي كانوا قد حصلوا عليها عن طريق الظلم والمعصية - ولم يكن لها قيمة إلا أن تصرف في مثل هذا العمل المحرم - في النار فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار ( 1 ) فلما رأى بنو إسرائيل هذا المشهد ، نسوا فجأة كل تعليمات موسى التوحيدية فقالوا هذا إلهكم وإله موسى . ويحتمل أيضا أن يكون قائل هذا الكلام هو السامري وأنصاره والمؤمنون به . وبهذا فإن السامري قد نسي عهده وميثاقه مع موسى ، بل مع إله موسى ، وجر الناس إلى طريق الضلال : " فنسي " . ولكن بعض المفسرين فسروا " النسيان " بالضلال والانحراف ، أو أنهم اعتبروا فاعل النسيان موسى ( عليه السلام ) وقالوا : إن هذا كلام السامري ، وهو يريد أن يقول : إن موسى نسي أن هذا العجل هو ربكم ، إلا أن كل ذلك مخالف لظاهر الآية ، وظاهرها هو ما قلناه من أن المراد هو أن السامري قد أودع عهده وميثاقه مع موسى ورب موسى في يد النسيان ، واتخذ طريق عبادة الأصنام . وهنا قال الله سبحانه توبيخا وملامة لعبدة الأوثان هؤلاء : أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا فإن المعبود الواقعي يستطيع على الأقل أن يلبي طلبات عباده ويجيب على أسئلتهم ، فهل يمكن أن يكون سماع خوار العجل من هذا الجسد الذهبي لوحده ، ذلك الصوت الذي لا يشعر بأية
--> 1 - " الخوار " صوت البقرة والعجل ، ويطلق أحيانا على صوت البعير .